المزيد عن الفيلم
يحمل فيلم "صراط" عنوانه من المفهوم الإسلامي الذي يشير إلى الجسر المعلّق فوق جهنم يوم القيامة، طريقٌ يمرّ عليه كل إنسان بعد الموت: واسعٌ للصالحين، وضيقٌ حادّ كالشعرة للآثمين. ومن هذا الرمز تنبثق الرحلة السينمائية التي يقودها لويس وابنه المراهق إستيبان عبر جنوب المغرب، في بحثٍ محموم عن مار، الابنة والأخت التي اختفت بعد حضورها حفلاً صاخبًا في عمق الصحراء. يبدآن بحثهما بتوزيع منشورات تحمل صورتها بين المحتفلين، لينغمسا في عالمٍ غامض من الموسيقى والإيقاع والحرية المطلقة، قبل أن يقودهما الطريق إلى مناطق نائية قرب الحدود الموريتانية، بينما تذيع محطات الراديو أنباءً عن حروبٍ عالمية وشيكة. تتحوّل الرحلة إلى كابوسٍ متسلسل من الحوادث والمرض والموت: سقوط إستيبان المميت، أصدقاء يختفون في حقول الألغام، ومركبات تلتهمها الانفجارات. ومع كل خسارة، يواصل لويس السير، يرافقه شابّان ناجيان، في مسيرةٍ تتجاوز حدود البحث لتصبح حجًّا في اللامكان، ينتهي بمشهدٍ آسر لقطار شحنٍ يحمل المهاجرين عبر رمالٍ لا تنتهي — خاتمةٌ غامضة ومؤرقة تحوّل البحث عن "مار" إلى ملحمةٍ جماعية عن البقاء على حافة الفناء. يتعامل فيلم "صراط" مع الصحراء لا بوصفها فضاءً جغرافيًا فحسب، بل كخشبة مسرحٍ ميتافيزيقية، حيث تتقاطع الطقوس بالمأساة، والمنظر الطبيعي بالعبور الروحي. يتعاون المخرج أوليفر لاشيه مع مدير التصوير ماورو إيرسي، الذي يصوغ على خامة الـ16 ملم صورًا نابضة بحبّات الضوء والغبار، بين وهج النهار القاسي وظلال الليل الغامضة، ليخلق إحساسًا بصريًا خشنًا ومتساميًا في آنٍ واحد. أما تصميم الصوت، فيرتكز على النبض الإلكتروني للموسيقى لا بوصفه خلفية، بل كإيقاعٍ روائيّ يقود الإدراك من النشوة إلى الخطر. ويشارك في الفيلم ممثلون غير محترفين يواجهون التعب والحرّ والجهد الحقيقي أمام الكاميرا، في أداءٍ يتّسم بصدقٍ نادر وهشاشةٍ إنسانية آسرة. يرفض الفيلم الحسم أو الخلاص، مجسّدًا مفهوم "الصراط" كعبورٍ غير مستقر بين الهلاك والخلاص، يُبقي المشاهد معلّقًا في فضاءٍ من الشكّ، حيث يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي امتدادًا للأسئلة الوجودية ذاتها. تيريزا كافينا